رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) القائد والمصلح والحكيم

0
36

رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) القائد والمصلح والحكيم

لم تكن السياسة هي العنصر الوحيد في بناء هذه الأمّة، بل كانت تمثّل قسماً من هذه العمليّة. والقسم الأساس الآخر فيها كان يتركّز على بناء الأفراد ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾10، ومعنى ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ أنّ الرسول كان يعمل على تربية وتزكية القلوب قلباً قلباً، كما كان يغذّي العقول عقلاً عقلاً، وذهناً ذهناً، بالحكمة والعلم والمعرفة، ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، والحكمة أعلى درجة ومكانة. فلم يكن النبيّ يعلّمهم القوانين والأحكام فحسب، بل كان يعلّمهم الحكمة أيضاً، وكان يفتح عيونهم على حقائق الوجود. وهكذا سار النبيّ فيهم لمدّة عشر سنوات. فمن ناحية كان اهتمامه منصبّاً على السياسة وإدارة الحكومة والدفاع عن كيان المجتمع الإسلاميّ ونشر الإسلام وفتح المجال أمام تلك الجماعات الّتي كانت تعيش خارج المدينة، أن يدخلوا الساحة النورانيّة للإسلام وللمعارف الإسلامية، ومن ناحية أخرى كان يعمل على تربية أفراد المجتمع. وهذان الأمران لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر.
لقد اعتبر بعض الناس أنّ الإسلام مسألة فرديّة، وفصلوه عن السياسة. في حين أنّ نبيّ الإسلام المكرّم في بداية الهجرة، ومن اللحظة الأولى الّتي تمكّن فيها من النجاة بنفسه من مصاعب مكّة، فإنّ أوّل ما قام به هو السياسة. إنّ إقامة المجتمع الإسلاميّ وتشكيل الحكومة والنظام والجيش الإسلاميّ، وإرسال الرسائل إلى حكّام العالم الكبار، والدخول في معترك السياسة العظيم آنذاك، تُعدّ كلها من شؤون السياسة. فكيف يمكن فصل الدين عن السياسة؟! وكيف يمكن إعطاء السياسة معنىً ومضموناً وشكلاً بِيَد غير يد الهداية الإسلامية؟! ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾11، ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾12. إنهم يؤمنون بالقرآن، لكنهم لا يؤمنون بسياسته! ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾13. فما معنى القسط؟ إنّ القسط يعني إقرار العدالة الاجتماعية في المجتمع. فمن الّذي يستطيع تحمّل هذا العبء؟ إنّ إقامة مجتمع يعمّه العدل والقسط هو عملٌ سياسيّ يقوم به مديرو البلاد، وهذا هو هدف الأنبياء جميعاً. فليس الأمر مقتصراً على نبيّنا فقط، بل إنّ عيسى وموسى وإبراهيم وجميع الأنبياء الإلهيين عليهم السلام قد بُعثوا من أجل العمل السياسيّ وإقامة النظام الإسلاميّ.
النظام النموذجي للحكم
إنّ سيرة النبيّ الأكرم في مرحلة السنوات العشر لحاكميّة الإسلام في المدينة، تُعدّ من ألمع عهود الحكم طيلة التاريخ البشريّ، ولا نقول ذلك جزافاً، وإنّما يجب التعرّف إلى هذا العهد القصير والمليء بالنشاط والّذي له تأثيرٌ خارقٌ على تاريخ البشرية.
إنّ المرحلة المدنيّة هي الفصل الثاني من عصر رسالة النبيّ، الّذي امتدّ 23 سنة. الفصل الأوّل، الّذي كان مقدّمةً للفصل الثاني، كان 13 سنة في مكّة. أمّا السنوات العشر الّتي قضاها النبيّ في المدينة فهي تمثّل سنيّ إرساء قواعد النظام الإسلاميّ وبناء أنموذج الحكم الإسلاميّ لجميع أبناء البشرية على مرّ التاريخ الإنسانيّ في مختلف الأعصار والأمصار. وهذا الأنموذج الكامل، لا نجد له نظيراً في أيّ حقبة أخرى. وبمقدورنا من خلال إلقاء نظرة على هذا الأنموذج الكامل تحديد المعالم الّتي بها ينبغي للبشر وللمسلمين الحكم على الأنظمة وعلى الناس.
لقد كانت غاية النبيّ من هجرته إلى المدينة هي مقارعة الواقع السياسيّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ بظلمه وطاغوتيّته وفساده الّذي كان مهيمناً على الدنيا آنذاك، ولم يكن الهدف مكافحة كفّار مكّة فحسب، بل كانت القضية ذات بعد عالميّ أيضاً. كان النبيّ الأكرم يتعقّب هذا الهدف، فكان يغرس بذور الفكر والعقيدة أينما وَجد الأرضية المساعدة لذلك، على أمل أن تنبت تلك البذور في الوقت المناسب. وكانت غايته من ذلك إيصال رسالة الحريّة والنهوض وسعادة الإنسان إلى كافّة القلوب. وذلك يتعذّر إلاّ عن طريق إقامة النظام النموذجيّ القدوة. لذلك فقد جاء النبيّ إلى المدينة لإقامة مثل هذا النظام النموذجيّ. لكن إلى أي مدى تسعى الأجيال اللاحقة لمواصلة ذلك والاقتراب من هذا النموذج، فذلك منوط بهممها ومساعيها. فالنبيّ يبني النموذج ويقدّمه للبشرية والتاريخ. والنظام الّذي شيّده النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان له الكثير من المعالم، أبرزها وأهمّها سبعة:
المعْلَم الأوّل: الإيمان: فالدافع الحقيقي بالنظام النبويّ إلى الأمام هو الإيمان المنبثق من قلوب الناس وعقولهم ويأخذ بأيديهم وكلّ كيانهم نحو طريق الصواب. إذاً المعلم الأوّل يتمثّل في نفخ روح الإيمان وتقويته وترسيخه.
المعْلَم الثاني: العدل والقسط: فمنطلق العمل كان يقوم على أساس العدل والقسط وإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه دون أدنى مداهنة.
المعْلَم الثالث: العلم والمعرفة: فأساس كلّ شيء في النظام النبويّ هو العلم والمعرفة والوعي واليقظة، فهو لا يحرّك أحداً في اتّجاهٍ معيّن حركةً عمياء، بل يحوّل الأمّة عن طريق الوعي والمعرفة والقدرة على التشخيص، إلى قوّة فعّالة لا منفعلة.
المعْلَم الرابع: الصفاء والأخوّة: فالنظام النبويّ ينبذ الصراعات الّتي تغذّيها الدوافع الخُرافية والشخصية والمصلحية والنفعية ويحاربها. فالأجواء هي أجواء تتّسم بالصدق والأخوّة والتآلف والحميميّة.
المعْلَم الخامس: الصلاح الأخلاقيّ والسلوكيّ: فهو يزكّي الناس ويطهّرهم من رذائل الأخلاق وأدرانها، ويصنع إنساناً خلوقاً ومزكّىً ﴿وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾14، فالتزكية هي أحد المرتكزات الأساس الّتي كان يستند إليها النبيّ في عمله التربويّ مع أبناء الأمّة فرداً فرداً لبناء الإنسان.
المعْلَم السادس: الاقتدار والعزّة: فالمجتمع والنظام النبويّ لا يتميّز بالتبعيّة والتسوّل من الآخرين، بل يتميّز بعزّته واقتداره وإصراره على اتّخاذ القرار؛ فهو متى ما شخَّص موطن صلاحه سعى إليه وشقّ طريقه إلى الأمام.
المعْلَم السابع: العمل والنشاط والتقدّم المطّرد: فلا مجال للتوقّف في النظام النبويّ، بل الحركة الدؤوبة والتقدّم الدائم. ولا معنى لدى أبنائه للقول إنّ كلّ شيء قد انتهى فلنركن إلى الدّعة! وهذا العمل – بطبيعة الحال – مبعث لذّة وسرور وليس مدعاة للكسل والملل والإرهاق، بل هو عمل يمنح الإنسان النشاط والطاقة والاندفاع.
مستقبل النظام الإسلامي
إنّ قضية الغدير ليست قضية تاريخية بحتة، بل إنها علامة على جامعية الإسلام. وإذا ما افترضنا أنّ النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لم يترك للأمّة منهاجاً لبناء مستقبلها، بعد عشر سنوات أمضاها في تحويل ذلك المجتمع البدائيّ، الملّوث بالعصبيات والخرافات، إلى مجتمعٍ إسلاميٍّ راقٍ، بفضل سعيه الدؤوب وما بذله أصحابه الأوفياء من جهود، لظلّت كلّ تلك الإنجازات مبتورة وبلا جدوى.
لقد كانت تراكمات العصبيّة الجاهليّة على قدرٍ عظيم من العمق، بحيث إنّها كانت بحاجة إلى سنوات طويلة للتغلّب عليها والتخلّص منها. لقد كان كلّ شيء على ما يرام كما يظهر، وكان إيمان الناس جيداً، حتّى ولو لم يكونوا على مستوًى واحد من العقيدة. فبعضهم كان قد اعتنق الإسلام قبل وفاة الرسول الأكرم بعام واحد أو ستة أشهر أو عامين، وذلك بفضل هيمنة البُنية العسكرية الّتي أسّسها النبيّ مع ما رافقها من حلاوة الإسلام وجاذبيّته. إنّهم لم يكونوا جميعاً من طراز المسلمين الأوائل من حيث العمق، ولهذا فقد كان من الضروريّ اتّخاذ ما يلزم من التدابير بغية إزالة تلك التراكمات الجاهلية من أعماق المجتمع الجديد، والحفاظ على خطّ الهداية الإسلامية سليماً وممتدّاً بعد عشر سنوات من زمن الرسول الأكرم، وذلك لأنّ جهوده الجبّارة خلال تلك السنوات العشر ستبقى بلا ثمار فيما لم يتمّ اتّخاذ تلك التدابير. وهذا ما صرّحت به الآية المباركة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ فهذه إشارة إلى أنّ هذه النعمة هي نعمة الإسلام ونعمة الهداية ونعمة إرشاد العالمين جميعاً إلى الصراط المستقيم. وهذا ما لا يمكن أن يتمّ بلا خارطة للطريق بعد الرسول، وهذا أمرٌ طبيعيّ. وهذا عين ما فعله النبيّ في الغدير، حيث نصّب للولاية خليفةً ممتازاً لا نظير له وهو أمير المؤمنين عليه السلام، لما كان يتمتّع به من شخصية إيمانية فريدة، وأخلاق سامية حميدة، وروح ثورية وعسكرية متميّزة، وسلوك راق مع جميع الناس، وأمر الناس باتّباعه.
ولم يكن هذا من عند رسول الله بل كان هداية ربّانية، وأمراً إلهيّاً، وتنصيباً من الله تعالى، كما هو شأن كافّة أقوال وأفعال الرسول الّتي كانت وحياً إلهياً، وهو الّذي لا ينطق عن الهوى. لقد كان هذا أمراً إلهيّاً صريحاً للرسول فقام بتنفيذه وإطاعته. وهذه هي قضية الغدير، أي بيان جامعية الإسلام وشموليته، والتطلّع إلى المستقبل، وذلك الأمر الّذي لا تتمّ هداية الأمّة الإسلامية وزعامتها إلا به. فما ذلك الأمر؟ إنّها تلك الأمور الّتي تجسّدها شخصية أمير المؤمنين، أي التقوى والتديّن والإيمان الراسخ، وعدم التوكّل إلا على الله، وعدم السير إلا في سبيله، والجدّ والاجتهاد في طريق الحقّ، والاتّصاف بالعلم، والتميّز بالعقل والتدبير، والتمتّع بقدرة العزم وبالإرادة. إنّه عملٌ واقعيّ ونموذجيّ في نفس الوقت. لقد نُصّب أمير المؤمنين عليه السلام لاتّصافه بتلك الخصوصيات، الّتي باتت لازمة في كلّ زعيم للأمّة الإسلاميّة، أياً كان، مدى الدهر، أي أنّ هذا هو النموذج الأمثل للقائد الإسلاميّ على مدى حياة الإسلام، وهو ما تجسّد في الاصطفاء الإلهيّ لأمير المؤمنين عليه السلام، والغدير هو هذه الحقيقة.
#لبيك_يارسول_الله
#شهادة_رسول_الله
#التوجيه_العقائدي
#الحشد_الشعبي

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

خمسة عشر − 11 =